أحمد الشرباصي

53

موسوعة اخلاق القرآن

المهاجرين إليهم ، ولا يحسون في صدورهم أي غضاضة أو ألم مما هيأه اللّه تعالى للمهاجرين من فيء أو خير ، بل إن الأنصار يفضّلون المهاجرين على أنفسهم في الاستمتاع بالخير ، ولو كان الأنصار محتاجين إليه ، وكل من حفظه اللّه من البخل ، وصانه من الشح ، فقد أفلح وفاز . ولقد نزل المهاجرون بعد الهجرة في دور الأنصار على الرحب والسعة ، وفي ظلال الحب والكرم والمواساة ، فلما غنم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أموال بني النضير دعا الأنصار وشكرهم على ما صنعوا مع إخوتهم المهاجرين ، من إنزالهم إياهم في منازلهم ، وإشراكهم في أموالهم ، ثم قال لهم : « إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم ، وشاركتموهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ، ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئا » . فقال الأنصار بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ، ونؤثرهم بالغنيمة » فنزلت الآية . وروي أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن أحببتم قسمت ما أفاء « 2 » اللّه « 1 » عليّ من بني النضير بينكم وبينهم ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم ، وإن أحببتم أعطيتهم ، وخرجوا من دياركم » . فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ : بل تقسمه بين المهاجرين ، ويكونون في دورنا كما كانوا . ونادت الأنصار قائلة : رضينا وسلمنا يا رسول اللّه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار » . وأعطى المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا ، إلا اثنين أو ثلاثة كان بهم فقر وحاجة . ونزلت الآية . والإيثار فضيلة قرآنية أخلاقية نبيلة ، لا يتحلى بها إلا أصحاب القلوب الكبيرة والهمم العالية والعزائم الثابتة ، لأن الإيثار يحتاج في تحقيقه إلى صبر واحتمال وبذل وكرم ، ولذلك قال القرطبي : « إن الإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ، رغبة في الحظوظ الدينية ، وذلك ينشأ عن قوة

--> ( 1 ) ما أعطاه للرسول بلا قتال . ( 2 ) ما أعطاه للرسول بلا قتال .